جديد الأخبار
الإسلام الحركي في ألبانيا و صراع الاعتدال المحلي مع التشدد الخارجي
05/12/2018 [ 13:32 ]
الإضافة بتاريخ:
الإسلام الحركي في ألبانيا و صراع الاعتدال المحلي مع التشدد الخارجي

بالرغم من اندماج ألبانيا داخل المجتمع العلماني، فإن ألبانيا تعتبر دولة ذات أغلبية مسلمة، ولكن لا توجد إحصاءات مؤكدة حديثة على نسبة المسلمين في المجتمع، وهناك إحصاء تتداوله كثير من التقارير والدراسات، يؤكد أن 70% من السكان مسلمون، وقرابة 20% يتبعون الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، و10% من الروم الكاثوليك. 

وقبل انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، كانت ألبانيا هي الدولة الوحيدة في العالم، المعلنة رسميًا ملحدة، ومنذ ذلك الحين، أعيدت ممارسة الدين تدريجيًّا إلى المجتمع الألباني في أعقاب الحظر الكامل المفروض في عام 1967 على جميع أشكال العبادة الدينية.

وشهدت السنوات القليلة الماضية تحول العديد من الشباب من خلفيات إسلامية إلى الكاثوليكية، من أجل الحصول على منح دراسية مطلوبة للجامعات الإيطالية، بينما تحول آخرون إلى الأرثوذكسية للحصول على تأشيرة أو تصريح إقامة للعمل في اليونان.

ومع ذلك، ورغم عدم وجود بيانات إحصائية حديثة، فإن الإسلام لا يزال أكبر ديانة في ألبانيا، إذ يصنف على الأقل به ثلثا الألبان، وأدت النزاعات العنيفة التي وقعت في التسعينيات في يوغوسلافيا السابقة إلى ظهور قضية الدين في المنطقة، ونظرًا لأغلبية سكانها من المسلمين، تم تصوير ألبانيا أحيانًا، كملاذ محتمل للإسلام المتشدد، ولا سيما في ظل الصراعات المذهبية التي اشتعلت في تسعينيات القرن الماضي.

وفي تلك الورقة نلقي الضوء على نشأة الإسلام في ألبانيا، ونشاط جماعات الإسلام الحركي والعلاقات فيما بينها.

 

لمحة تاريخية

بداية من القرن السابع قبل الميلاد، توافدت لشبه جزيرة البلقان السلالة السلافية، وأرغمت القبائل الإيليرية (صاحبة الأرض) على الانتماء للهوية الجديدة، ولم تنج من تلك السياسة القسرية سوى الأقلية الإيليرية الموجودة بدولة ألبانيا في الوقت الراهن، وظلت اللغة الألبانية هي العامل الأول في بناء الهوية الألبانية[1].

بحلول القرنين الثالث والرابع الميلادي، توسعت الإمبراطورية الرومانية بشبة جزيرة البلقان، وبدأت عمليات التنصير في ألبانيا، كما في غيرها من المستعمرات الرومانية، ووقعت ألبانيا تحت الحكم البيزنطي بعدما قسمت الإمبراطورية الرومانية بين الشرق والغرب في أواخر القرن الرابع الميلادي[2].  

في أواخر عهد الإمبراطورية البيزنطية ضعفت شوكة إمبراطورها، ما أدي لتقوية الحكام المحليين في أقاليمها، ونتج عنها ضم صربيا للمستعمرة الألبانية بعام 1334م إلى عام 1389م، وبعدها تحولت ألبانيا كإحدى المستعمرات التركية عقب موقعة كوسوفو، وخضعت حينها للاحتلال التركي لخمسمائة عام. 

وفي قرون الاحتلال التركي تحول غالبية الشعب الألباني للديانة الإسلامية، وبلغت نسبتهم زهاء 80% من إجمالي عدد السكان، وعلى إثرها أنشئت مؤسسات دينية وإدارية جديدة داخل ألبانيا، أنتجت شخصيات معروفة ساهمت في توسع الإمبراطورية العثمانية، وغيرها من الدول القُطرية ومن تلك الشخصيات، أحد العسكريين في جيش محمد الفاتح ويدعي محمد باشا كوبر 1702، ومحمد علي باشا، مؤسس مصر الحديثة، والعالم الإسلامي ناصر الدين الألباني.

نالت ألبانيا استقلالها من الاحتلال التركي عام 1912، قبل أن تحتلها الدولة الإيطالية قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية بعام 1939م، وأسقطت ملكها أحمد بيك زوغوا عام  1944م، وقاد ثوار الجبهة الوطنية المعادية للفاشية بالتعاون مع منتسبي الحزب الشيوعي الألباني معارك الاستقلال ضد بقايا القوات الألمانية المحتلة وطردوها من الأراضي الألبانية وسيطروا على مقاليد الحكم في البلد في 28 نوفمبر من العام 1944، وتسلم أنور خوجة رئاسة ألبانيا وأرسى ديكتاتورية شيوعية استمرت حتى العام 1991.

وكان أنور خوجة أعلن عام 1967 ألبانيا «أول دولة مُلحدة في العالم»، وأغلق أو هدم كل المؤسسات الدينية والتي كان يبلغ عددها 2169، ومنع كل نشاط ديني وسجن مئات الأئمة والعلماء المسلمين والمسيحيين وقتل منهم من كانوا يُظهرون مقاومة له ولنظام حكمه.

عقب انهيار الاتحاد السوفييتي تخلصت ألبانيا من الفكر الشيوعي، وبدأت تخطو نحو تأسيس دولة مدنية قائمة على المبادئ الديمقراطية والليبرالية. وانضمت إلى حلف شمال الأطلسي عام 2010، وهي مرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي، كما لا يفوتنا التذكير بأن ألبانيا عضو كامل العضوية في منظمة التعاون الإسلامي منذ عام 1992 .

 
بنية المجتمع المسلم في ألبانيا

لم تخضع ألبانيا لإحصاءات سكانية دقيقة خلال العقد الأخير، وهو ما أثبته عدم توافر إحصاءات رسمية توضح توزيع السكان بحسب انتمائهم الديني، بيد أن هناك مصادر محلية وأجنبية تقدر نسبة السكان المسلمين بـ 70%، مقابل 30% ما بين المواطنين الكاثوليك والروم.

وجدير بالذكر في هذا الإطار أن الجماعة الباكتاشية في ألبانيا، تحت اسم «المركز العالمي للباكتاشية» تُصنف باعتبارها جزءًا من المجتمع المسلم الألباني، وذلك في كل الإحصاءات الرسمية، وهي الجماعة الأبرز من الجماعات الدينية.

بالنسبة لبنية القطاع الديني في ألبانيا، تجمع أربع مؤسسات ما بين التوجهات الإسلامية والمسيحية وهي؛ الجماعة الباكتاشية، والجماعة المسلمة والكنيسة الكاثوليكية والأرثوذكسية، ويقر الدستور الألباني الحرية المطلقة للفرد في اختيار ديانته، كما تسمح للمؤسسات الدينية الإدارة الكاملة دون أي تدخل، وتمر المساعدات الأجنبية من الدول الأخرى للجماعات الموالية .

تنشط الطرق الصوفية في ألبانيا أكثر من أي بلد آخر في دول منطقة شبه جزيرة البلقان، ويظهر ذلك في أشكال التقاليد الصوفية وجماعات الدراويش التي تهيمن عليها طريقة الدراويش الباكتاشيين، ونذكّر هنا بأنه على إثر منع كمال أتاتورك نشاط جماعات الدراويش عام 1925، فإن شيخ الطريقة الباكتاشية رحل من تركيا ليستقر في ألبانيا التي أعلنها مركزًا عالميًا للباكتاشية. وقد شيد الباكتاشيون في ألبانيا 173 زاوية، في حين يُعرف عنهم عبر التاريخ أنهم لم يهتموا في الغالب ببناء المساجد.

 

الإسلام الحركي في ألبانيا

تاريخيًّا، هناك نوعان من الإسلام الحركي في ألبانيا، السنة، والبكتاشينة، وتعد ألبانيا مركز الطائفة البكتاشية في مدينة بكتاشييس؛ التي تنتشر على نطاق واسع في كوسوفو، ومقدونيا الغربية، وبين قطاع الألبانيين في صربيا، وهي طائفة غير تقليدية، تكتشف الله في الطبيعة، والبشر، وتتجاهل معظم القواعد الإسلامية، مثل الامتناع عن الكحول، وحجاب النساء، معلنين التسامح مع جميع الديانات، والدعوة للانتقام من السلطة العثمانية السنية.

نمت الحركة البكتاشية بقوة في ألبانيا، وساهمت في التوفيق بين الديانتين الإسلامية والمسيحية ما جعلها تنتشر بقوة في المجتمع، واتخذت الحركة من نفسها مدافعًا عن القومية الألبانية ضد الوجود التركي بألبانيا في أواخر القرن التاسع عشر.

 

صراع السلفية والحنفية

هناك مدرستان في مجتمع السنة بألبانيا تتصارع كلتاهما على التشدد في تطبيق التعاليم الإسلاميةـ والأخرى ما بين مرونة الحركة والتكيف طبقًا لطبيعة الحياة الحديثة. 

ويعد الفصيل السلفي، هو مدرسة متشددة مناهضة للحداثة، والتي تروج لصرامة التفسير التقليدي للعقيدة الإسلامية، بينما تدافع مدرسة الحنفية عن التفسير الليبرالي التقليدي للإسلام. وخلال السنوات الماضية نشأ صراع ما بين مؤيدي الحنفية، والشباب العائد من الانضمام لجماعات راديكالية، وتأثرهم بالفكر المتشدد، الداعم لسلفية التفسير للإسلام.

وعقب ظهور تنظيم «داعش» الإرهابي وتعدد التنظيمات الإرهابية في الشرق الأوسط، وارتباطها بمنهج السلفية الجهادية، وضع ذلك الشباب العائد من تلك المجتمعات تحت مجهر الريبة والشك من احتمالية التحول لإرهابيين محتملين، وعقب استلهام الشباب الفكر الراديكالي من معايشتهم لثقافة متشددة، عبر المنح التعليمية أو السفر، يعود الشباب لبلادهم مستوحيًا الماضي كدافع للتشدد والتحول للعنف والإرهاب، مثل ما حدث في عام 1967م، عندما قامت السلطة الشيوعية بإغلاق المنظمات الإسلامية.

لكن المتتبع للأحداث التاريخية في ألبانيا، يعرف أن تلك الإجراءات المتخذة من السلطة حينها، كانت نتيجة مراقبة صارمة لجميع الجمعيات والمؤسسات الإسلامية في ألبانيا منذ عام 1998، عندما تم اكتشاف خلية من الجهاد الإسلامي المصري المتطرف في تيرانا. 

بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، وتزايد مراقبة الاستخبارات للمنظمات الإسلامية والأفراد بشكل كبير، ما خلق مناخًا أكثر صعوبة للراديكاليين للعمل فيها ونتيجة لذلك غادر عدد من المنظمات الإسلامية ألبانيا، بسبب عدم وجود وثائق قانونية للشروع بالعمل داخل ألبانيا، فضلًا عن الصرامة في مراقبة أنشطة المنظمات المشكوك بها .

 

انقسامات وتوترات

خلال الحقبة السوفييتية، لاقت الجماعة الإسلامية تهديدًا مباشرًا ولم تستطع استعادة دورها إلا من خلال المساعدات الخارجية من البلدان الإسلامية، والجماعة المسلمة الألبانية هي وريثة الجماعة الإسلامية التي كانت موجودة في ألبانيا قبل حقبة الحكم الشيوعي، والتي كانت تتبع فقه المدرسة الحنفية وتتبنى التقاليد الإسلامية العُثمانية.

وتنقسم الجماعة الإسلامية إلى ثلاث مجموعات أو ثلاثة اتجاهات مختلفة:

الجماعة القومية: وتمثل تلك الجماعة العائلات سليلة التعليم الخارجي في الأزهر الشريف ومصر، كما تضم العائلات التقليدية التي تفتقد للثقافة والتعليم الديني، وتدعو تلك الجماعة لإحياء إسلام ما قبل الاحتلال السوفييتي، ويشغل أفرادها المناصب الإدارية العليا في المجتمع ويديرون الأوقاف الإسلامية وأموال المتبرعين المتأتية من مسلمي ألبانيا ومن المتبرعين الأجانب، كما أنهم أصحاب المبادرات في صنع الحياة الدينية ورسم العلاقات مع الأحزاب السياسية والحكومة الألبانية، وهي جماعة قريبة من الحزب الديمقراطي بزعامة صالح بريشا.

الجماعة الموالية لتركيا والإرث العثماني: تلك الجماعة التي يدين أفرادها للولاء لتركيا واستعادة الإرث العثماني، وتضم في أغلبها من تلقوا تعليمهم في تركيا، كما تتلقى تمويلًا من النظام التركي ونسبة من أموال الأوقاف، وقد أثرت القوة الناعمة التركية على الجماعة من خلال نشاطات مؤسسة فتح الله جولن، والتي افتتحت خمس مدارس إسلامية، وأول جامعة إسلامية في أبريل عام 2011، وأثرت الثقافة التركية على المجتمع الألباني بما يحفظ لها عددًا كبيرًا من الموالين لها بحجة رعايتها للدين الإسلامي.

الجماعة المتشددة أو سلفية المنهج: وتدين أفراد تلك الجماعة بالمنهج السلفي والمتشدد في تطبيق تعاليم الدين الإسلامي، وأبرز قادتها تلقوا تعليمهم الديني في بلدان عربية ينشط بها الفكر السلفي. ويشغل قادتها مناصب ما بين أئمة المساجد والمدارس الإسلامية. وقد لاقى التوجه السلفي ومُمارسات أتباعه رفضًا وصدًا في أوساط المجتمع المسلم الألباني، وتبعًا لذلك بدأنا نشهد إبعادًا للكوادر من السلفيين وتعويضهم بأولئك الذين أنهوا تعليمهم في تركيا أو بمن تلقوا تعليمهم في ألبانيا، وهو من أفضل الخيارات. وتبعًا لعمليات إقصاء وإبعاد العناصر السلفية من المجتمع الألباني المسلم، فقد تأسست مؤخرًا رابطة الأئمة الألبانيين التي تسعى إلى حماية وضع أعضائها القانوني وتطالب بحقوقهم المدنية .

توجد في صلب الجماعة الألبانية المسلمة حالة من التوتر المستمر والتجاذب بين تلك المدارس الثلاث ومجموعات المصالح، وقد تتسرب بعض تلك الصراعات أحيانًا إلى العلن. 

ويعاني مسلمو ألبانيا من غياب القائد الديني والقدوة الموثوق به، خاصة من قبل فئة الشباب الذين تعرّفوا على الإسلام عن طريق السلفيين ومعتقداتهم، كما ينقصهم التمويل اللازم للاستجابة إلى الحاجات المتزايدة للنشاط التعليمي والدعوي وما يتطلبه من نفقات.

 ويمكن تهدئة هذا التوتر وإعادة الثقة بين مُكونات المجتمع الألباني المسلم الرئيسية الثلاث من خلال ابتكار مشروع تعليمي-رُوحي وإنساني وثقافي ينهل من معين التقاليد المجتمعية الأخلاقية التي تم إهمالها، إلا أن مبادرة مثل هذه لم تجد طريقها في المجتمع الألباني، ويبدو أن ذلك العمل ينتظر أن يتولاه طرف ثالث يقوم بدور الوسيط في تقريب وجهات النظر المتباينة.

وما يُلاحَظ هو أن 70% من المصلين الذين تغص بهم المساجد في مدن تيرانا ودوريس وسكودر، هم من السلفيين الشباب، وتكاد الجماعات المسلمة المحلية في ألبانيا تخلو من جيل المصلين الذين هم في منتصف العمر (من 40 إلى 60 عامًا) وهو الجيل الضائع الذي جنت عليه ديكتاتورية أنور خوجه الشيوعية وحملته على الإلحاد.

قد تلتقي هنا وهناك بين جماعات المصلين بعض الشيوخ السبعينيين أو الثمانينيين من أولئك الذين بلغوا سن الرشد في عهد ديكتاتورية خوجة، التي فرضت الإلحاد عام 1967، وقد نجوا من الوقوع فيه بفضل ما اكتسبوه من ثقافة وإيمان روحي في أيام صباهم.

التعليقات
عدد التعليقات: 0
فيديو جرائم حماس
فيديو الكرامة
استطلاع
هل ستذهب حماس بإتجاه الإستمرار في التصعيد يوم الجمعة القادم في ضوء التصعيد الإسرائيلي ؟
نعم
لا
انتهت فترة التصويت