إيقاد الشعلة وقدح الذاكرة
31/12/2018 [ 15:45 ]
الإضافة بتاريخ:
عدلي صادق
إيقاد الشعلة وقدح الذاكرة

في ذكرى الإنطلاقة العسكرية لحركة فتح، التي هي موضوعياً، ذكرى انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة؛ بتنا أحوج ما نكون، الى استذكار أحداث السنوات القليلة التي أعقبت تأسيس الحركة قبل الإنطلاقة، واستذكار أحداث مثيلاتها في السنوات القليلة التي أعقبت الفاتح من يناير 1965،. فتلك سنوات شهدت الكثير من المفارقات والنجاحات والإخفاقات والخلافات التي يمكن الاستفادة منها وأخذ العبرة. فليس إيقاد الشعلة، وهو ملمح رمزي متأخر، للاحتفال بذكرى الانطلاقة، يحاكي بالإضاءة احتفالات الأمم برأس السنة الميلادية الجديدة؛ إلا عنصراً تعبوياً ومعنوياً، للتأكيد على التزام جماهير الحركة وأجيالها، بضرورة التجدد وضمان ديمومة النضال الوطني. لكننا اليوم في حاجة أكثر الى استرجاع تاريخ الحركة، والى وضع الرواية الكاملة بفصولها التي يؤكد على صحتها من تبقوا على قيد الحياة من شهودها، ومذكرات ومرويات من رحلوا  الى دار الأبدية!

إن المعنيين بتزوير تاريخ الحركة والقفز عن وقائعه، حاولوا خلال السنوات الماضية، طمس الرواية وتجاهل الرواة ما خلا راوٍ واحد، معروف بكذبه في السياسة وفي الاجتماع والتاريخ. وتعمد هؤلاء طمس أسماء القادة المؤسسين، وإن كان صعباً عليهم أن يطمسوا بعض الأسماء لحضورها القوي في الوجدان؛ ظلوا يحرصون على أن تمر أسماؤها سريعاً، دون أن يعرف الجيل الجديد، ماذا فعل الأخيار، وكيف أبلوا بلاء حسناً لكي تتأسس حركة فتح!

إن أول قيمة في تاريخ حركة فتح، تتمثل فيما كان لدي مؤسسيها من قوة الدفع الوطنية والأخلاقية، لجمع الأشتات. لذا ينبغي على الجيل الجديد أن يعرف، بأن هذه الحركة الرحبة، الوطنية  واسعة الصدر، واللاحزبية، قد استوعبت كل أصحاب كل المشارب، وتشكلت من مجموعات كثيرة، كانت لها أسماء وعناوين، ثم جرى تعريفها حسب مواقعها الجغرافية: مجموعة سوريا، وقوامها عسكريون متطوعون سابقون في الجيش العربي السوري. مجموعة مصر التي تشكلت من طلاب ثائرين يتطلعون الى العزدة والتحرير، وتلك المجموعة فتحت خطوط تغذية لمناطق أخرى. مجموعة السعودية التي تشكلت من العاملين فيها مثلما هو الحال بالنسبة لمجموعة قطر، ومجموعة ألمانيا التي تشكلت من الطلاب فيها وفي النمسا، ومجموعة الكويت المتقدمة تنظيمياً، التي استفادت من استقلال الشقيقة الكويت وفترة المرحوم عبد الله السالم الصباح، فاشتغلت في فضاء واسع، عُقدت فيه إجتماعات "القيادة" وفيه كانت الاجتهادات المتعارضة، وفيه اتُخذ قرار الإنطلاقة العسكرية!

أظهر الفرسان المؤسسون، قدرة عالية على توحيد مجموعات مبعثرة ومتباعدة ولها أسماء مختلفة، وصهرها في بوتقة حركتهم الكبرى، وهذه إحدى أهم مآثرهم. ذلك بمعنى أن أحد أهم تقاليد الحركة كانت جمع المتباعدين الذين لا يعرفون بعضهم بعضاً، وليس تفريق المتقاربين والأصدقاء وتشتيت شملهم وزرع البغضاء بينهم!

المأثرة الثانية للمؤسسين، كانت قدرتهم الباهرة وهم شبانٌ صغار، على المبادرة برغم انتمائهم جميعاً لأحزاب في زمن قوة الأحزاب وجبروتها وسطوتها الأدبية على منتسبيها، وأهمها وأكثرها شيوعاً آنذاك، "الإخوان" و"حزب التحرير الإسلامي". فقد انتمى لهاتين الجماعتين، معظم المؤسسين. ولنا أن نتخيل ولنا أن نتخيل، كيف التقط شبان صغار، فرصة انفراط التشكيل الفدائي الذي أسسه الشهيد مصطفى حافظ قائد المخابرات الحربية المصرية في غزة، لإطلاق مقاومة سرية، ثم التوجه بعدئذٍ، الى تأسيس حركة ثورية. وكيف تجرأ أولئك الشباب على خوض نقاش في غزة، مع مخضرمي جماعة "الإخوان" والأساتذة الكبار، قبل وبعد احتلال 1956 لغزة، لإقناعهم بتبني الكفاح المسلح. وكيف تجرأ أولئك الشباب على خوض نقاش في غزة، مع مخضرمي جماعة "الإخوان" والأساتذة الكبار، قبل وبعد ذلك احتلال 1956 لغزة، لإقناعهم بتبني الكفاح المسلح. وكان من بين الرموز "الإخوانية" التي دعوها لإطلاق المقاومة، موظفون مصريون مرموقون، مثل الأستاذ القاضي مأمون الهضيبي رحمه الله، نجل المرشد الثاني للجماعة، والرجل الذي أصبح بعدئذٍ المرشد السادس!

قيل لرموز الجماعة، أن شباب فلسطين التحقوا بـ"الإخوان" لأن مجموعة تحمل رايتها، جاءت الى غزة لكي تقاتل، فإن اختلفت الجماعة مع الشباب على هذه النقطة، فنحن مفارقون للجماعة، وهكذا كان!

المأثرة الثالثة للمؤسسين، التي تُحسب لحركة فتح، أنها اتخذت لنفسها ميزاناً للأعمال التنظيمة والحركية. أبو عمار نفسه تعرض لعقوبتي تجميد صدر فيهما بيانان من القيادة. وفي هذه العجالة، يمكن القول إن فهم تاريخ الحركة والاستفادة منه، بات أحد المحفزات على الإصلاح وإعادة البناء قبل تسليم الأمانة للأجيال الجديدة. ففي تاريخ حركتنا، هناك أمثلة كثيرة على فداحة النتائج الناجمة عن التجاهل العنيد للنقد، ومجافاة المغرورين، لنداءات الإصلاح. ولعل أحد هذه الأمثلة، التي ينبغي أن يتدارسها الفتحاويون الجدد، يتمثل فيما حدث في احتجاج القيادي الفتحاوي محمود المسودي المُكنى "أبو عبيدة" رحمه الله. فقد لقي الرجل تأييداً واسعاً من الكادر الفتحاوي المتقدم، ولا مجال هنا لذكر الأسماء. كان الرجل يعترض على مظاهر وممارسات رآها ضارة، ولولا أنه انتمى سابقاً الى حزب التحرير، لكانت نتائج حركته الاحتجاجية قد تغيرت. فقد كنا في الأردن التي له شكاية مع حزب التحرير، وكان التخوف من احتجاجه الذي لا علاقة له بالشـأن الداخلي الأردني. اليوم، في سياق التشويهات، تراهم يخلطون بين وقائع التمرد المسلح الخارج من أقبية استخبارات تناصب فتح العداء، وظواهر الاعتراض الداخلي والمطالبة بالإصلاح، التي يقمعها المتنفذون ويتولون تشويهها لكي يظل الحال مستقراً لهم على عفونته!

في الوجهة العامة، كلما كان هامش الاعتراض يضيق، ويصعب التغيير والتصحيح أكثر فأكثر، كانت حركة فتح تترهل وتخسر أبناءها وجمهورها.  إنه، بالمجمل، تاريخ ينبغي أن  يُستعاد من خلال قدح الذاكرة، للاستفادة منه، ولعل هذا الآن، هو أحد وسائل الترويج لثقافة أخرى، لإعلاء قيم الوحدة والعمل الخلاق على طريق التحرر الوطني، وهذا أهم بكثير من إيقاد الشعلة! 

 

التعليقات
عدد التعليقات: 0
فيديو جرائم حماس
فيديو الكرامة
استطلاع
بعد رفض المنحة القطرية من حماس هل الحرب أصبحت أقرب على غزة ؟
نعم
لا
انتهت فترة التصويت