وطفرات الإرهاب العظمى صناعة مخابراتية
صلاح فضل: الإخوان يعتبرون المرشد «مندوب الرب» (3 - 4)
11/01/2019 [ 02:39 ]
الإضافة بتاريخ:
صلاح فضل: الإخوان يعتبرون المرشد «مندوب الرب» (3 - 4)

مازال الدكتور صلاح فضل، أستاذ النقد الأدبي والأدب المقارن بكلية الآداب جامعة عين شمس بالقاهرة، يواصل في الجزء الثالث من حواره لـ«المرجع»، فتح خزائن أسراره وسرد شهادته التي تكشف زيف الفكر الإخواني، وكيف أن الجماعة عقب ثورة 25 من يناير 2011 كانت تمضي في طريق إقامة دولة دينية، يؤبدون من خلالها حكمهم.

يقول رائد التحديث النقدي في مصر والعالم العربي: إن الدستور الذي أصدره الإخوان عقب ثورة 25 من يناير، كان ديكتاتوريًّا بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، مؤكدًا أن السخف الإخواني ظهر بصورة أوضح في الإعلان الدستوري الذي أعلنه محمد مرسي، والذي ألغى أي أثر للديمقراطية بما لا يحدث في أي عهد مضى، وكل هذا حدث لأن الإخوان كانوا يتصرفون باعتبارهم رسلًا من السماء، وأرادوا أن يقمعوا الحريات وأن يرتكبوا كل الجرائم التي ترتكبها الأنظمة الفاشية باسم الدين.

ويكشف شيخ النقاد، وقائع الضغط الذي مارسه الإخوان ضد الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، كي لا ينسحب ممثل المشيخة من اللجنة التأسيسيَّة لصياغة الدستور، وهو الأمر الذي لو حدث حينئذٍ لانهار مشروع الإخوان الفاشي، مشيرًا إلى أن الأزهر خضع لاختراق شديد من السلفيين والإخوان، وقد بذل الإمام الأكبر قصارى جهده لتحجيم هذا الاختراق، الذي شل حركة التنوير الأزهري، وإلى نص الجزء الثالث من الحوار:

 

◄ ما الكوارث التي كانت ستلحق بمصر إذا استمر الإخوان في الحكم؟

- أنا كنت مثل غيري من المصريين نظن أنهم يطالبون بالديمقراطية والحرية لكي تتقدم مصر وتنهض، ولذلك كنت أرقب حضورهم المنظم بإيقاع عجيب في ميدان التحرير إبان ثورة 25 من يناير عام 2011 بشيء من الدهشة؛ ثم شهدت بعد ذلك محاولات جرهم لمصر في طريق «الدولة الدينية».

وقد أتيح لي (وهذه فرصة لا تتاح إلا نادرًا) أن أكون عضوًا في اللجنة الفنية التي شكلتها الجماعة المدنية الديمقراطية، وضغطت على الإخوان كي يقبلوا أن تقوم هذه اللجنة بمراجعة مواد الدستور الذي بدأ أعضاء الجماعة في صياغته عقب ثورة 25 من يناير.

◄ من هم أعضاء اللجنة الفنية التي شكلتها القوى المدنية الديمقراطية لمراجعة دستور الإخوان؟

- كنا اثنتي عشرة شخصية مدنية، أذكر منهم الدكتور أحمد كمال أبوالمجد، وكان متعاطفًا مع الإخوان على الدوام، والدكتور ثروت بدوي، أستاذ القانون الدستوري، وقد انقلب إلى متعاطفٍ أعمى مع الجماعة بعد أن كان مناوئًا لهم، والدكتور حسن نافعة، والمرحوم حمدي قنديل.

والمهم في هذا الشأن أننا أخذنا غرفة أعلى مبنى مجلس الشورى، لكي نراجع ونحلل وندرس ومن ثمَّ نصوب المواد التي يُريد الإخوان إقرارها في الدستور، وأذكر أن المستشار حسام الغرياني، الذي كان رئيسًا للجنة التأسيسية لصياغة الدستور، قابلنا حينئذٍ بترحابٍ شديدٍ وتفاؤل، قائلًا: «أنتم بحق الذين يؤمل فيكم أن تضعوا الدستور، لا هذه اللجنة التي تضم الشاردة والواردة».

وبالفعل أمضينا أسابيع من العمل المكثف والمجهد وبعد أن كدنا نفرغ من عملنا شعرنا أن هناك رغبة ملحة من الإخوان في إنهاء الأمر بسرعة وصياغة دستور ديكتاتوري دون الالتفات لمطالب بقية أطياف الشعب ولا لنتائج عملنا؛ فذهبنا بكامل هيئتنا لملاقاة المستشار الغرياني، فقال لنا بإذدراء: «اتركوا لي هذه الأوراق»، في إشارة لما كان بحوزتنا من أوراق نصوب فيها تلك المواد الكارثية التي كانت الجماعة ترغب في جعلها دستورًا مفروضًا على المصريين.

لقد كان لدينا 44 تعديلًا على وجه التحديد في مشروع دستور الإخوان، ولذا فقد تصديت للحوار مع «الغرياني»، وسألته: كيف نترك الأوراق؟ إن فيها تعديلات جوهرية لو لم تحدث سيكون الدستور كارثيًّا؛ لأنه سيحول مصر إلى «دولة دينية وفاشية»، فأصر على موقفه وقال لي: «اتركوا الأوراق، وسنلقي نظرة عليها»، فرفضت طلبه قائلًا: «لا؛ لن نترك شيئًا، وإما أن تعقد جلسة طارئة للجنة المكتب أو الجمعية العامة لإعداد الدستور لكي نناقش هذه المراجعات معكم، ونرى هل بإمكانكم إقناعنا بصحة ما فعلتم، أو نقنعكم بصحة ما فعلنا»؛ فرفض، ولم نجد سبيلًا لإنقاذ الموقف والسعي بكل قوة لإسقاط مشروع الإخوان الفاشي الذي أرادوا دسه وسط «بنود الدستور» سوى أن ننسحب.

وبعد انسحابنا دعونا المجموعة المدنية الذين كانوا أعضاء في «تأسيسية الدستور» بقيادة عمرو موسى للانسحاب، وقد استجابوا وانسحبوا بالفعل، والأمر ذاته تكرر مع الكنيسة المصرية، ولم يبق سوى الأزهر الذي لو انسحب حينها لانهار مشروع الإخوان الفاشي.

◄ ولماذا رفض الأزهر الانسحاب ما دامت القوى المدنية وممثل الكنيسة قد انسحبوا اعتراضًا على «فاشية الإخوان»؟

- الذي حدث في ذلك الوقت، أنني ذهبت برفقة الدبلوماسي عمرو موسى، إلى مشيخة الأزهر وعقدنا جلسة مغلقة مع الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، أطلعناه خلالها على الموقف بكل جوانبه، وأوضحنا له كيف أن الإخوان انقلبوا على الجميع ويريدون صياغة دستور يخدم أطماعهم، ويؤبد حكمهم، ويؤسس لدولة دينية فاشية.

وفي الجلسة ذاتها، توصلنا لاتفاق مع الإمام الأكبر ينص على انسحاب الأزهر من الجمعية العامة لكتابة الدستور، وغادرنا المشيخة بعد أن وعدنا الشيخ الطيب، بأنه سيصدر أوامر صارمة لممثل الأزهر في الجمعية العامة لصياغة الدستور بالانسحاب الفوري، وللأسف هذا لم يحدث؛ لأن الإخوان ضغطوا على الإمام كي لا ينسحب ممثل المشيخة، وهذه واقعة أنا شاهد شخصي عليها.

◄ إذًا الإخوان أصدروا دستورًا ديكتاتوريًّا دون توافق مجتمعي؟

- طبعًا، دستور ديكتاتوري على الإطلاق، ووقتها كذبوا كعادتهم وقالوا سنصدر الدستور ثم نعدله بعد ذلك، وهذا سخف لا يُطاق؛ فكيف تصدر شيئًا كارثيًا ثم تعد بأنك ستعدله؟ وظهر هذا السخف أكثر في الإعلان الدستوري الذي أعلنه محمد مرسي، والذي ألغى أي أثر للديمقراطية بما لا يحدث في أي عهد مضى، وكل هذا حدث لأن الإخوان كانوا يتصرفون باعتبارهم رسلًا من السماء، وأرادوا أن يقمعوا الحريات وأن يرتكبوا كل الجرائم التي ترتكبها الأنظمة الفاشية باسم الدين.

◄ لماذا كان يريد الإخوان إصدار الدستور بهذه السرعة؟

- لأنهم خرجوا من السجن إلى السلطة، والسجين محكوم بآليات تفكير إرهابية، حريته مقموعة وحين يخرج ينتهي إلى أن يكون همه قمع حرية المخالفين له؛ فعقلية السجناء هي التي غلبت على الإخوان، ناهيك عن أنهم يكذبون، فقد وعدوا في البداية أنهم لن يرشحوا أحدًا لرئاسة الجمهورية، ثم مالبثوا أن رشحوا اثنين (خيرت الشاطر ومحمد مرسي)، فهم كاذبون ومخادعون وأبعد ما يكونون عن القيم الحضارية، ومن بينها القيم الإسلامية.

◄ هل الإرهاب صناعة الدين أم السياسة أم أن هناك عوامل أخرى غيرهما؟

- بعد هذه السنوات التي نعاني فيها من الإرهاب، انتهيت إلى نتيجة ألخصها فيما يلي: إن الإيديولوجية الإرهابية المتسترة خلف الدين والتأويلات الأصولية المتشددة والأطماع الإخوانية، تخلق بيئة ملائمة للإرهاب؛ لأن المعتنق لها ليس حرًا، ولا يملك سوى أن يطيع الأوامر التي تصدر إليه من رؤسائه.

إن المعتنق لهذه الأيديولوجية الإخوانية الإرهابية يُقسم أولًا على المصحف والسيف بأن يطيع كل ما يصدر إليه من أوامر دون تفكير؛ فعند أداء هذا القسم يلغي عقله، ولذا فإنه إذا أصدر له أمرًا (مثلًا) بأن يقتل ليس من حقه أن يناقش، هو يريق الدماء البريئة دون تفكير؛ لأنه ألغى إنسانيته وفكره وعقله، وأصبح أداةً في يد المرشد أو الزعيم أو الرئيس، ولا شك أن هذا أولًا يخلق مناخًا ملائمًا جدًا للإرهاب.

وثانيًا يجعل المعتنقين لهذه الأيديولوجية يؤمنون بأن مرشدهم ينطق باسم الدين، ويقتل ويتجبر ويطغى باسم الله، ويعتقدون أنهم لا يستطيعون عصيان الرب ومندوبه؛ لقد أصبح المرشد عندهم هو مندوب الرب الذي خلق لنفسه سلطة ما أتى الله بها من سلطان، وهذا أيضًا يخلق بيئة ملائمة جدًا للإرهاب، ويجعل أتباعه يعادون الحضارة والفكر والثقافة والفن والجمال.

لكن هذا إرهاب محلي لم يقتل سوى عدة أفراد، وحاول قتل قلائل آخرين؛ ففي مصر مثلًا لم ينجح الإرهاب الديني والفكري إلا في قتل فرج فودة، والشيخ محمد حسين الذهبي، وزير الأوقاف الأسبق، وحاول اغتيال نجيب محفوظ، إضافة إلى بعض الحوادث الأخرى، لكنه لم يقتل الكثيرين.

بعد ذلك أصبح هذا الحس الديني المنغلق المتطرف بيئة ملائمة لملايين الجراثيم الإرهابية؟ وحدث هذا التحول المخيف عندما تدخلت أجهزة المخابرات الأمريكية والصهيونية والإنجليزية وبالتعاون مع بعض أجهزة المخابرات العربية، لتصنيع طفرات الإرهاب العظمى التي تشبه طفرات فرانكشتاين الذي صنعته عقلية تتذرع بالعلم لخلق الكوارث.

وأول «فرانكشتاين إرهابي» ضخم ظهر في العالم عندما صنعت التواطؤات السياسية والمخابراتية تنظيم القاعدة، ونصبت من أسامة بن لادن (هذا الإخطبوط) زعيمًا له؛ فالقاعدة إرهاب بدأ بعقليات إخوانية وراح يقتل بالمئات والآلاف تنفيذًا لمخطط تدمير العالم، وهذا الفكر المدمر أبعد ما يكون عن روح المحبة والجمال والبناء والحضارة التي يتشبع بها الإسلام.

ويبدو بعد ذلك أن القاعدة ضعفت؛ فأرادوا إعادة «تنظيم فرانكشتاين» آخر وباسم الإسلام أيضًا، وظهر مسخ جديد هو «داعش»، الذي أصلت لفكره الإرهابي الجماعات الإسلاموية والأصوليون بأحاديث وأيديولوجيات وتعاليم ابن تيمية وكتب يعتبرونها دستورًا وغيرها.

ورغم هذا التأصيل والتأويل الخاطئ للنصوص؛ فإنني أرى أن «داعش» لا يمكن أن يكون «مولودًا ابن فكر»، لكنه صنيعة تخطيط مخابراتي ليس فيه من الفكر شيء، وكل ما يريده تدمير وتفتيت الدول العربية بمساعدة الصهيونية والمخابرات الأمريكية والإنجليزية وبعض أعوانهم من العرب الذين يتآمرون على أشقائهم.

وإذا نظرنا إلى تسلسل الأحداث، نجد أن العراق كان يملك أقوى جيش في المنطقة بعد مصر، ولذلك بدأوا بتدمير الجيش وجميع المقدرات العراقية، ثم جاء الدور على سوريا البلد الذي حمل لواء الصمود والتصدي في مقاومة إسرائيل؛ فدمرت أيضًا، وساعدهم في هذا المخطط التدميري النظام الإيراني، والذي خلق مشكلة طائفية بين الشيعة والسنة.

ولا يخفى على أحد أن الطائفية صناعة استعمارية، زرعها الأمريكان في العراق، وحملت لواءها الدولة الدينية في إيران أو نظام «ولاية الفقيه»، وجميعنا يرى ما يفعله النظام الإيراني في اليمن، ولبنان، وسوريا، وغيرها من الدول العربية.

وكل ما علينا هو أن نلقي نظرة لكي نعرف أن هذا الإرهاب المتوحش الذي يقتل الآلاف والملايين ويخيف الناس أتخذ الإسلام فيه ذريعة لتحقيق أطماع استعمارية وتدميرية ضد الشعوب العربية كلها.

◄ ما دامت هذه الجماعات الإرهابية صناعة مخابراتية لماذا يتهم البعض الأزهر بأنه مسؤول عن الإرهاب؟

- الأزهر ليس مسؤولًا عن الإرهاب على الإطلاق، وكل ما في الأمر أن المشيخة خضعت لاختراق شديد من الجماعة السلفية، وهذا الكلام أكده لنا الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب بنفسه، وشرحه بالتفصيل، وقد أشرت إلى هذا في كتابي «وثائق الأزهر.. ما ظهر منها وما بطن».

والإمام الأكبر بذل قصارى جهده لتحجيم هذا الاختراق السلفي، لكنه للأسف مازال موجودًا؛ فكثير من علماء الأزهر سلفيون وإخوان، ولا يستطيعون التخلص من جلدهم، وإن أظهروا غير هذا، وهؤلاء يشلون حركة الأزهر الآن، وهم الذين يخيفون الشيخ الطيب، ولا يجعلونه يمضي في خطه التنويري الشجاع، وأكبر مثل على ذلك هو وثيقة تجديد الخطاب الديني، التي انجزناها معًا واقتنعوا بها وعدلت صيغتها ثلاث مرات ثم لم تصدر.

التعليقات
عدد التعليقات: 0
فيديو جرائم حماس
فيديو الكرامة
استطلاع
بعد رفض المنحة القطرية من حماس هل الحرب أصبحت أقرب على غزة ؟
نعم
لا
انتهت فترة التصويت