جديد الأخبار
الإكزنوفوبيا والإسلاموفوبيا.. جسور أم جدران؟
13/04/2019 [ 09:47 ]
الإضافة بتاريخ:
إميل أمين
الإكزنوفوبيا والإسلاموفوبيا.. جسور أم جدران؟

هل وقعت القارة الأوروبية بنوع خاص وبشكل أكبر من الولايات المتحدة الأمريكية بين فكي داءين عضالين: الإكزنوفوبيا من جهة؛ أي الخوف والرهاب من الأجانب، والإسلاموفوبيا من جهة ثانية، بمعنى النظرة للإسلام والمسلمين نظرة جمعية شاملة ووصمهم بالإرهاب؟

المؤكد أنه لم يرتفع المد اليميني المخيف داخل القارة العجوز بشكل كبير بهذا المستوى أكثر مما ارتفع فيه في أوقاتنا الحالية، الأمر الذي تنبّهت له القيادات الروحية الكبرى في أوروبا وأخذت في التحذير منه بصوت عالٍ، ربما إدراكا للمخاطر المترتبة على السير في دروب الأحادية الذهنية، وخبرات أوروبا التاريخية في النصف الأول من القرن العشرين مع النازية والفاشية، الشاهدة خلف أبواب التاريخ على مآسي الإنسانية المتطرفة.

هل نظرت إلى روما عاصمة الإمبراطورية الرومانية، تلك التي بسطت قلوعها على العالم القديم لتسعة قرون تقريبا، وكيف أنها في طريقها لأن تصبح مدينة لبناء الحواجز وليس الجسور؟

لا يخفى على أحد أن هناك نظرة ضيقة يؤمن بها صناع القرار في الشؤون الداخلية هناك، وهي نظرة مزدوجة من الإكزنوفوبيا والإسلاموفوبيا، ترتبط بالشعبوية الأممية، والقومية العنصرية. ولم يعد المهاجر أو اللاجئ سوى عدو تتم معاداته وتحفيز خطاب الكراهية ضده، بعد أن انتشر مناخ الخوف الذي يتعزز يوما تلو الآخر بطريقة غير مسؤولة.

لكن من حسن الحظ أن هناك -وكما نشير على الدوام- "ركبا لم تجثو للبعل"، بعل التعصب والتمذهب. فعلى سبيل المثال دعا بابا الكنيسة الكاثوليكية البابا فرنسيس خلال زيارته نهار السادس والعشرين من مارس/آذار المنصرم إلى مبنى بلدية روما، وفي كلمة ارتجالية له في قاعة يوليوس قيصر، وأمام عمدة العاصمة الإيطالية، إلى "الاستقبال واندماج" للمهاجرين.

إن البابا فرنسيس رجل متواضع وله دالة على تاريخ قصص الإنسانية التي عاشتها روما، ولهذا بدا كأنه يذكّر الإيطاليين بأن روما وعلى مدار ما يقرب من 2800 عام من تاريخها، تمكنت من استقبال ودمج شعوب مختلفة وأشخاص من جميع أنحاء العالم ممن ينتمون إلى الفئات الاجتماعية والاقتصادية الأكثر تنوعا، دون إلغاء اختلافاتهم المشروعة، أو إذلال وسحق خصوصياتهم وهوياتهم.

روما القديمة بحسب الحبر الأعظم "أعطت لكل واحد من هؤلاء الأشخاص بالأحرى أرضا خصبة مناسبة لإبراز أفضل ما في داخلهم، ولإعطاء شكل للحوار المتبادل بهويات جديدة"، كما "رحبت هذه المدينة بالطلاب، والحجاج، والسياح، واللاجئين والمهاجرين، القادمين من كل منطقة في إيطاليا ومن العديد من دول العالم".

بدت روما في تلك الأوقات جسرا وقطبا يصل ويربط بين شمال القارة الأوروبية والعالم المتوسطي، ولم تعرف عالم الجدران التي تفصل ولا توصل، تفرق ولا تقرب، تجرح ولا تشرح.

الجدران تصنع السجناء، والجسور حياة الأحرار، هذا هو عينه ما نبه إليه فرنسيس بعد زيارته التاريخية الأخيرة إلى المغرب، إذ أشار -على متن الطائرة التي أقلته عائدا إلى روما- إلى أهمية الحاجة إلى الجسور، وشعوره بالألم عندما يرى أشخاصا يفضّلون بناء الجدران، لا سيما أن النتيجة الحتمية والحكمية لأولئك الذين يمضون في درب تشييد الأسوار العالية ينتهي بهم المطاف أسرى داخلها. أما الذين يفضّلون بناء الجسور فسيضحى الطريق أمامهم واسعا ورحبا، ويدعوهم للمسير معا، في طرق الحاضر والمستقبل.

وفي واقع الأمر لم يكن فرنسيس بمفرده من سعى مؤخرا لنشر ثقافة الجسور وتقليص مساحات الجدران في القلوب والعقول، فقد تبعه الكاردينال "غوالتييرو باسيتي" رئيس مجلس أساقفة إيطاليا، والذي حذر مؤخرا مما سماه "ثرثرة الخوف من الأجانب"، تلك التي أدت إلى خلق جو من الخوف المشوب بالاستياء.

لا ينبغي أن ينسحب المشهد الإيطالي الأخير على تاريخ الجمهورية الطويل هناك، ولا على بقية الدول الأوروبية، فإيطاليا بالفعل بلد ذو تقاليد إنسانية عظيمة يسكنها أناس يبذلون قصارى جهدهم دائما في الأوقات الصعبة.

الإيطاليون اليوم وعموم الأوروبيين مدعوون إلى التعامل مع موضوع المهاجرين بحب وإيمان كبير راسخ، مع التأكيد على أنه في عمق الإيمان المسيحي الإنجيلي يوجد الجائع المحتاج إلى إطعام، والعطشان المتطلع إلى شربة ماء، والغريب البحث عن إيواء.

أربعة أفعال ينادي بها دوما بابا الكنيسة الكاثوليكية لأجل أوروبا ذات طابع إنساني أكثر مع المهانين والمجروحين، الذين ألقت بهم سفن الخوف على شواطئها: "الترحيب، والحماية، والتعزيز، والتكامل". أما الشعوبية والشخصانية فهي توجهات أيديولوجية جافة لا تفيد. الإنسانية هي الحل، والمودات هي جسور البشر وأجنحة الملائكة.

التعليقات
عدد التعليقات: 0
فيديو جرائم حماس
فيديو الكرامة
استطلاع
بعد رفض المنحة القطرية من حماس هل الحرب أصبحت أقرب على غزة ؟
نعم
لا
انتهت فترة التصويت