الطنطورة.. قرية البحر الساحرة والمجزرة المنسية
16/06/2019 [ 08:33 ]
الإضافة بتاريخ:
الطنطورة.. قرية البحر الساحرة والمجزرة المنسية

رام الله:"القرية التي لم يبقَ من حكايتها إلا بيت آل اليحيى (1882) ومدرسة بنيت أوائل الأربعينيات، ومقام المجيرمي".

قبل عدة أيام كان العشرات من الأطفال يتنزهون رفقة ذويهم على شاطئ الطنطورة المهجرة عام 1948، طفل من باقة الغربية، آخر من الفريديس، ثالث من شفا عمرو، ورابع عكا، بعضهم يسبح، آخرون يتراشقون بالمياه، بينما أخذ من تتراوح أعمارهم بين ثلاثة وأربعة أعوام يبنون بيوتا من الرمل ويلهون بجرافات صغيرة أحضروها معهم لنقل الرمل والصدف.

هؤلاء الأطفال –لصغر سنهم- لم يسمعوا بمجزرة الطنطورة، التي وقعت عام 1948 في نفس المكان الذي يلهون به، لكنهم عادوا إلى المكان استكمالا للهو وضحكات وألعاب أقرانهم من أبناء الطنطورة قبل 71 عاما.

نُكل بأهالي الطنطورة، في مجزرة بشعة قامت بعد اعلان الاحتلال المزعوم عن دولته في 15 أيار 1948، لم يتحقق أحد من عدد الشهداء، لكن الكل أجمع أنهم بالعشرات.

يوسف مصطفى البيرومي مواليد الطنطورة 1928 لاجئ في مخيم اليرموك.. يروي في شهادته المنشورة في كتاب "الطنطورة شرك الدم" لمصطفى الولي الصادر سنة 2001: في معتقل جليل سأل يوسف أحد خيالة اليهود الذين حضروا لالتقاط صور للمعتقلين من الطنطورة وغيرها: متى سترجعوننا إلى الطنطورة؟ رد: لما عينك بتصير تشوف أذنك بترجع للطنطورة وبتشوفها. مات البيرومي، ولا ندري أين ذهب اليهودي، ولا نريد أن ندري، لكننا رأينا بأعيننا أطفالاً عرب عادوا إلى المكان ولعبوا وسبحوا وتعفرت اقدامهم بتراب الطنطورة ورمل شاطئها.

عرفت الطنطورة قبل المجزرة، كواحدة من القرى المنفتحة والمتعلمة والمثقفة، وبحسن جوارها وترابط علاقات أهلها، فعرفت مبكرا مدرستين للبنين وللبنات، وناديا رياضيا اجتماعيا ثقافيا، ووجود عدد من المتعلمين في دول أوروبية.

يقول أحد أبنائها المهجرين إلى سوريا، يحيى محمود اليحيى "مواليد الطنطورة عام 1910" في كتابه "الطنطورة" الصادر سنة 1998 عن دار الشجرة للنشر والتوزيع في دمشق: بنى أهل الطنطورة مدرسة بمبالغ باهظة على حسابهم الخاص، لقناعتهم بأن التعليم هو الوسيلة الأولى للتطور والتقدم في الحياة العامة والقرية بشكل خاص. وكانت جميع العوائل ترسل أولادها الى المدرسة رغم ان التعليم كان مقتصرا على أصحاب المال والجاه. كان لدى الطنطورة انفتاح على القرى المجاورة والمدن المختلفة ومجيء الأعراب من الخارج اليها، باعتبارها مركزا تجاريا وذات ميناء لتصدير المنتجات الزراعية من القرية والقرى المجاورة ما ساعد كثيرا على تطور القرية واعتبرت مركزا سياحيا جميلا يزوره السائحون من الخارج.

ويضيف: كما أن اختلاط السكان مع كل هؤلاء وسع مداركهم وزاد من معلوماتهم وطور حياتهم وترك اثرا في نمط بيوتهم حيث كانت تقام وكأنها في مدينة وليس قرية. كان الأهالي يذهبون بالعريس الى صخرة حجرية شبيهة بكرسي الى جزيرة المقر. قبل التهجير بعدة سنوات بنى موسى عبد العال فرنا للاستغناء عن الطابون.

ويوضح: الزواج في الطنطورة زواج العمر، نادرا ما كان يتزوج الرجل في الطنطورة من امرأة ثانية.  وكان الزمار أنيس أبو ماضي يحيي أعراسها باليرغول. لافتا إلى أن ما تبقى من الطنطورة هو بيت آل اليحيى 1882، ومقام المجيرمي، وبئر المكر، والمدرسة الثانوية.

"كان في الطنطورة مستوصف يزوره أطباء بالتناوب وتعمل فيه ممرضة مقيمة بشكل دائم اسمها "ذهبية". وكان فيها نادٍ ثقافي اجتماعي رياضي." من شهادة عبد الله سليم ابو الشكر المولود في الطنطورة عام 1931 مقيم في اللاذقية/ سوريا.

وبحسب كتاب "الطنطورة"، فإنه وحتى العام 1998 كان من أبنائها في سوريا 62 مهندسا/ة و59 خريجا من كليات الطب والصيدلة، و17 محاميا/ة. وتشير المصادر المختلفة والموثقة إلى أن نصف الأهالي هُجروا إلى الفريديس أو إلى سوريا التي استقبلت عدداً كبيراً من أهالي الطنطورة.

يقول محمد ابراهيم ابو عمرو المولود في الطنطورة عام 1935، وهو لاجئ في مخيم اليرموك، شاهدت امرأة جثة ابن اخيها محمد عوض ابو ادريس بين القتلى الذين تناثروا في الشوارع، ولم تكن تعرف حين صرخت ألما عليه أن أولادها الثلاثة (أحمد وخليل ومصطفى سليمان أبو السلبود) قتلوا أيضاً، وعندما علمت، اصيبت باختلال عقلي، لكنها بقيت تقول إنهم أحياء ويعيشون في مصر، وسوف يعودون، ماتت وهي تنتظرهم.

العشرات من أبناء الطنطورة اعتقلوا في معتقل "جليل" قرب يافا، ثم نقلوا الى معتقل الصرفند. قبل أن يهرب بعضهم بينما يمكث المعظم لأشهر طويلة في السجن ثم يتم ترحيلهم إلى مدن الضفة أو الفريديس المجاورة للطنطورة.

ليلة 22 أيار، ونهار 23 أيار 1948، احتلت عصابات "الهاغاناة" الإرهابية الصهيونية قرية "الطنطورة" 24 كم جنوب مدينة حيفا، وارتكبت مجزرة راح ضحيتها 230 شهيدا، عرفت باسم "مجزرة الطنطورة"، حيث أجبرت العشرات منهم على حفر خنادق، قبل أن تطلق النيران عليهم، وتدفنهم في تلك الخنادق، وفي مقابر جماعية.

قبل ذلك التاريخ، اشتهرت الطنطورة بمحطة سكة القطار الساحلية، واشتهر أهاليها بصيد السمك، وما تبقى منها اليوم، مقام المجيرمي، وبيت "آل اليحيى"، ومدرسة بنيت أوائل الأربعينيات. حيث قامت الكتيبة 33 من لواء الكسندروني باقامة نصب تذكاري فوق رابية المدرسة المستخدمه اليوم كمحطة لأبحاث الصيد التابعة لوزارة زراعة الاحتلال.

تميز موقع الطنطورة باعتباره ممرا إلى حيفا، وبعض المراكز الأخرى، كون جزء من أراضيها يصلها بالطريق الساحلي السريع، ووجود محطة قطار للخط الساحلي، وأقيم على أرضها كيبوتس "نحشوليم" 1948، ومستوطنة "موشاف دور" 1949، وتم تجريف المقبرة الجماعية، وبُنيت فوقها مواقف للسيارات.

يحد الطنطورة من الغرب البحر المتوسط، ومن الشرق بلدة الفريديس، ومن الجنوب قرية كبارة المهجرة، وعرب الغوارنة- جسر الزرقاء، ومن الشمال يحدها قرية عين غزال المهجرة وقرية كفر لام الساحلية المهجرة.

تبلغ مساحة أراضي الطنطورة 14520 دونما، قدر عدد سكانها سنة 1929 حوالي 750 نسمة، وفي عام 1945 حوالي 1490 نسمة، قبل أن تقوم المنظمات الصهيونية المسلحة بهدم القرية، وتشريد أهلها، البالغ عددهم عام 1948 حوالي 1728 نسمة.

الطنطورة.. تفاصيل من حياة مهجرة

يسرد كتاب "الطنطورة" تفاصيل دقيقة للطنطورة وأهلها وحياتهم قبل التهجير، مهتما بأعمالهم وأسمائهم، وحرفهم، فيروي أن أصحاب قوارب الصيد في الطنطورة كانوا: داوود السمرة، محمد علي الشيخ حسن، كامل المصري، آل الدسوقي.. التحق العديد من أهالي الطنطورة في سورية بالعمل السياسي، وبالنضال الفلسطيني منذ البدايات وأصبحوا ضباطا وأعضاء في المجلس الوطني الفلسطيني، وكان أبرزهم في تلك المراحل: محمد عبد العال، داوود أبو شكر، حلمي الهندي، حسين العشماوي، عبد الرزاق اليحيى، طلال الدسوقي، سليم العشماوي، مازن العشماوي، فهمي البدوي، ابراهيم الزراع، فهمي الهندي، جودت الهندي.

كان ميناء الطنطورة نشطا في مجال تصدير الحبوب والمنتجات الزراعية خاصة البطيخ، وكان بطيخها مشهور ويسمى "السهيلة" ويصدر الى لبنان ومصر ودول مختلفة. وكان الأهالي ينصبون العرش على الشاطئ في أيام الصيف ويستخدمونها كمقاهٍ واستراحات، وكانت العرش تصنع من نبات الحلفا العريض الذي كان ينبت على جداول المياه في القرية، كنبع الدلفة وتفرعاته، وكان آل اليتيم هم المختصون في حصر الحلفا وحصر السمار، وهو نبات تخرج منه عيدان خضراء رفيعة وطرية، تجفف في الشمس وتجدل لتصبح حصيرة.

لم تكن الأعمال الصناعية منتشرة في القرية ما عدا صناعة الحصر والأواني القشية والخشبية اللازمة لنقل المنتوجات الزراعية، وصناعة الأحذية (المشاية) وكان آل العيق هم المختصون في صناعتها، اضافة لصناعتهم عدة الحراثين. بائعون متجولون في الطنطورة، كان في الطنطورة عدد من الباعة المتجولين الذين يبعون السمك والخضار والبيض والحمام على دواب يطوفون بها القرى المجاورة، منهم: مصطفى البيروني، محمد ابو الحسن، سعيد سلام، العبد أبو صلاح، ذيب الخطيب. الأشجار في الطنطورة، عرفت الطنطورة بقلة أشجارها نظرا لاتجاه الأهالي إلى زراعة الحبوب المختلفة، لكنها كانت تزرع وبشكل محدود: التين والصبر والرمان والبلح والتوت والليمون. في بدايات الأربعينات، تم وضع ماتور وتمديد أنابيب لضخ المياه من بئر الشفا الذي كانت النساء تنقل المياه منه على رؤوسهن، إلى بيوت الطنطورة.

كانت الطنطورة تطحن قمحها على وابور لآل اليحيى، ثم انتقلوا إلى وابورين لعقاب اليحيى ولأحمد اليحيى حتى النكبة.

ويختم الكتاب بأن تربية الدجاج في الطنطورة كانت من لوازم بيوت الطنطورة الرئيسية، لتأمين البيض واللحم للعائلة، ولم يكن ذبح المواشي منتظما في القرية إلى أن امتهنه موسى العموري. كانت الاكلة المشهورة للطنطورة هي المحمر (المسخن) وطبق السمك المقلي الذي لا غنى عنه لكل ضيف.

بيت ال اليحيى، الوحيد المتبقي منذ هجرت وهدمت الطنطورة، يبحر بزائرها، إلى زمن الصيادين وشباكهم، إلى مناداة الناس على بضاعتهم وأسماكهم وبطيخهم ومحاصيلهم الزراعية، إلى صوت القطار المار بمحاذاتها، إلى مياه البحر وأمواجه التي كانت تعلو لترطم بجدران المنازل القريبة، وفي الشتاء تفيض أحيانا لتمشي بين البيوت.. إلى يهودي أطلق عليه لقب "موسى الطنطوري" بنى بيتاً على أطرافها، واستصلح ارضاً لزراعتها، محاولاً جذب المزيد من اليهود إليها قبل النكبة، واقامة علاقات "ودية" مع أهلها، فلم يلتفت إليه أحد، ووجد نفسه وحيداً في قرية عربية فلسطينية بأكملها، ما دفعه لمغادرتها، وترك ما بناه وزرعه.

الطنطورة الباقية والممحاة

في جهد كبير من خلال صورة مأخوذة من الجو  للطنطورة تمَّ قبل فترة وجيزة، تثبيت الإيضاحات وتحديد أسماء المناطق وتدقيقها من قبل ابن الطنطورة محمد عيق بالتعاون مع  رياض حصَّادية.

حيث قاما بترقيم بعض معالم الطنطورة الباقية والظاهرة إلى الآن وكذلك أشارا إلى بعض الأماكن التي تمَّ هدمها ولكن أماكنها محدّدة ومعروفة مثل المقبرة وبيت عقاب اليحيى ودكان الجزري والجمرك وبيت ودكان موسى الفلو وغيرها، وتشير النهايات المدببة (الحادَّة) سواء للدوائر أو للأسهم إلى مكان المنطقة المعنية بالأمر.

السهم رقم (1) يشير إلى اتجاه بيت آل اليحيى الباقي إلى الآن على شط الطنطورة، وهو للأسف لا يظهر في هذه الصورة. الدائرة رقم (2) تشير إلى المكان الذي كان فيه مبنى الجمرك. الدائرة رقم (3) تشير إلى مكان بيت عقاب اليحيى والذي تمَّ هدمه بعد عدة سنوات من احتلال الطنطورة بحجّة أنَّه آيلٌ للسقوط. الدائرة رقم (2) تشير إلى المكان، الذي كان فيه مبنى الجمرك0السهم رقم (4) يشير إلى ميناء الطنطورة. أمَّا السهم رقم (5) يشير إلى بيوت حارة الدساقنة، التي كانت تبعد عن الشاطئ حوالي 70-100 متر وقد أقيمت على أنقاضها بعض الشاليهات البيضاء للمصطافين. وتشير الدائرة رقم (6) إلى تلة المكر، بينما تشير الدائرة رقم (7) إلى بير الصعبية، الذي أهل الطنطورة يلهون بالقفز إليه من أعالي الصخور من حوله وهو بعمق حوالي 4 أمتار وقطره حوالي 5-6 أمتار0يشير السهم رقم (8) إلى ميناء المكر، وأمَّا الدائرة رقم (9) فتشير إلى ..... ويشير السهم رقم (10) إلى مسبح البرج ، بينما يشير السهم رقم (11) إلى ميناء حمدي، و تبيِّن الدائرة رقم (12) تلة البرج. أمَّا الدائرة رقم (13) تبيِّن وتشير إلى مكان تواجد بيت مختار الطنطورة داوود الهندي - المبنى الكبير ذو السقف سماوي اللون وقد حوَّلوه الآن إلى المطعم، والدائرة رقم (14) تشير إلى بيت الأفندي-المبنى الأبيض الصغير و هو يقع أسفل المطعم وملاصق له تماما.

تشير الدائرة رقم (15) إلى المكان الذي كانت تتواجد فيه مقبرة الطنطورة وتبدو في الصورة على شكل مثلث متطاول ومائل للون الرمادي الفاتح، وتشير الدائرة رقم (16) إلى إلى مبنى ورشة تصنيع الزجاج- البناء الكبير ذي السقف القرميدي و قد تحوَّل الآن الى متحف للآثار.

 تشير الدائرة رقم (17) إلى مكان تواجد دكانة الجزري، بينما الدائرة رقم (18) فإنها زيتونة دار سليم اليتيم الصامدة إلى يومنا هذا!.

وتوضّح لنا الدائرة رقم (19) مكان تواجد بيت موسى الفلو0 وتبيِّن الدائرة رقم (20) المدخل والطريق إلى الطنطورة والذي دخلتُ عبره إلى ساحة المراح، المشار إليها بالسهم رقم (21) ومنها إلى بوابة الطنطورة المؤدية إلى شاطئها السَّاحر. تشير الدائرة رقم (22) إلى المكان الذي كان فيه يتواجد جامع الطنطورة!.

بينما يشير السهم رقم (23) إلى بلحات أبو صفية الباقيات من بستان كبير للنخيل... يدلُّنا السهم رقم (24) على اتجاه مسار وادي الطنطورة و أخيراً يظهر السهم رقم (25) مبنى وقبّة مقام الشيخ عبد الرحمن البجيرمي بيضاء اللون، ومن الجدير بالذكر بأن السلطات الإسرائيلية قد تركته قائماً بعد عدة محاولات فاشلة لهدمه وهو يقع ضمن منطقة الشاليهات المُسوَّرة. وتوجد إلى الآن بالقرب من المقام والى الشرق منه تينة ضخمة لصاحبها العبد ابو هنا تقف صامدة، وتشهد على أهالي الطنطورة الأصليين و بكلِّ الشوق تنتظرهم.

التعليقات
عدد التعليقات: 0
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
اسمك*
عنوان التعليق*
النص*
فيديو جرائم حماس
فيديو الكرامة
استطلاع
بعد رفض المنحة القطرية من حماس هل الحرب أصبحت أقرب على غزة ؟
نعم
لا
انتهت فترة التصويت