جديد الأخبار
خسر الحرب حتى لو انتصر، أردوغان يخفق في قراءة الرأي العام الأميركي
19/10/2019 [ 11:24 ]
الإضافة بتاريخ:
خسر الحرب حتى لو انتصر، أردوغان يخفق في قراءة الرأي العام الأميركي

إن ضغط الرأي العام مهم لغاية؛ لذا تضعه البلدان الديمقراطية دائماً في حسبانها. والأهم من ذلك أهمية الدور الذي يمكن أن يؤديه من أجل الرئيس في مناخ انتخابات مصيرية.
ومع هذا، عجز الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن إدراك هذه الحقيقة، ودمر، بالإضافة إلى هذا، جميع مؤسسات الدولة وبيروقراطيتها؛ ظناً منه أن علاقته بالرئيس الأميركي دونالد ترامب كافية لتخطي جميع المشكلات والأزمات، بما في ذلك الأزمة السورية الأخيرة.
لا شك أنه قد جانبه الصواب في تفكيره هذا، بل وابتعد عن الحقيقة تماماً. وكانت النتيجة أن تركيا هي التي سوف تدفع ثمن كل هذه الأوهام…
كتبتُ قبل أشهر، وقلت إن الأنظمة القائمة على حكم الفرد الواحد ستدفع، يوماً ما، ثمن ما ارتكبته في حق شعوبها. واليوم قد حان الدور علينا لندفع نحن أيضاً الثمن.
لقد تسبب جشع رجل واحد في تركيا، التي تفتقد، هي الأخرى، لوجود معارضة جادة متماسكة، في جرّ الدولة بكاملها إلى حافة هاوية خطيرة للغاية. وفي المقابل، تُرك الرأي العام التركي غافلاً عما يدور، ومع ذلك فسوف يأتي حتماً ذلك اليوم الذي سيدرك فيه الحقيقة، ولكن عندما يبدأ الماء في الغليان من تحته سيدرك الحقيقة، إنما بعد فوات الآوان، وحينها سيقول أردوغان، مخاطباً إياه، كما قال لمعارضيه من قبل، بعد انتهاء الاستفتاء "لقد ضاعت الفرصة، ولم يعد بإمكانكم فعل شيء"...
ويكفينا لإدراك مدى تأثير الرأي العام في أميركا، أن ننظر إلى تجربة الحرب الأهلية في يوغوسلافيا؛ فقد بدأت الحرب هناك في عام 1991، ومع هذا لم تتدخل أميركا وحلف الناتو إلا بعد مرور ثماني سنوات. حقيقة إن أمرَ هذه الحرب لم يكن يهم الولايات المتحدة بشكل مباشر، بمعنى أنه لم تكن هناك تهديدات حقيقية مباشرة لها مثل تهديد داعش اليوم، ولكن مع تزايد ضغوط الرأي العام الأميركي، وتوارد أنباء عن وقوع مذابح وحالات اغتصاب هناك، اضطر الرئيس الأميركي كلينتون حينها إلى التدخل.
لكن الوضع الحالي في سوريا مختلف تماماً هذه المرة؛ لأن التصور السائد لدى الرأي العام الأميركي الآن هو أن "أردوغان، الممثل الأول للإسلام السياسي في العالم، يهاجم الأكراد العلمانيين..".
بالفعل، لقد تابع الرأي العام الأميركي، باهتمام شديد، خلال الفترة الماضية، التعاون الوثيق بين الولايات المتحدة والمقاتلين الأكراد، الذين تصدوا، بفدائية عظيمة، لتنظيم داعش الإرهابي الذي أثار نوبة من الهلع في العالم الغربي، ولم يتردد عن حرق المواطنين أحياء.
لقد قرأ المواطنون الأميركيون في الصحف الأكثر جدية، والمجلات الرائدة في عالم الصحافة عن القصص البطولية للمحاربين الأكراد، والمحاربات الكرديات اللاتي أبدين شجاعة كبيرة. وعلى الجهة الأخرى، كانت نفس وسائل الإعلان تتحدث عن دور تركيا الداعم لداعش،  وقيامها بإقامة معسكرات لها في المدن التركية، وإمدادها العناصر المتطرفة بالأسلحة، تحت غطاء تقديم مساعدات إنسانية.
لذلك دعوني أقول إن أردوغان، الذي أخذ الضوء الأخضر من ترامب ليدخل سوريا، قد خسر الحرب منذ بدايتها، حتى لو بدا للبعض أنه يحقق انتصارات في المعركة على الأرض.
بدأت الأخبار، التي تسربت إلى وسائل الإعلام الأميركية، تشير إلى الدور المؤثر للمحامي الشخصي لترامب وعمدة نيويورك السابق رودي جولياني على قرارات ترامب بشأن الأزمة السورية.
ويبدو أن هناك حالة استياء كبيرة بدأت تسود بين المؤسسات الحكومية الأميركية إزاء بطل "فضيحة أوكرانيا"، خاصة مع توالي التسريبات بشكل متتابع بهذا الشأن. وتؤكد المعلومات، التي تم تسريبها كذلك، أن أردوغان قد وثق علاقته بترامب عبر وساطة قام بها جولياني نفسه.
لقد تعرّض أردوغان، الذي صار يرى ترامب صمام الأمان، بالنسبة له، في كل مشكلة يتعرض لها؛ بداية من مشكلة بنك "خلق بنك" إلى الأزمة السورية، لأول صدمة له عندما تم فرض عقوبات اقتصادية على "خلق بنك". ومع ذلك، خرج وزير الخزانة التركي بيرات البيرق ليقول، بعد لقائه ترامب في المكتب البيضاوي في إبريل الماضي، إن اجتماعه مع ترامب، الذي تناول، بطبيعة الحال، موضوع العقوبات الأميركية على تركيا، بما فيها تلك المفروضة على "خلق بنك"، كان الأفضل على الإطلاق. ثم ماذا حدث؟ لا يزال "خلق بنك" مُثقل إلى الآن بمليارات الدولارات  التي فرضت عليه..
ما الذي تغير؟
أولاً: تم إبعاد جولياني على خلفية الفضيحة الأوكرانية، ولم يعد له أي تأثير على قرارات السياسة الخارجية لترامب. وعلى الفور قام الأخير بإزاحته من دائرته المباشرة، مثلما فعل من قبل مع محاميه السابق كوهين.
ثانياً: بدأت وسائل الإعلام الأميركية في نشر تقارير إعلامية مؤيدة للأكراد، وبدأ كل من ظهر على شاشات التلفاز؛ من ضباط متقاعدين وأعضاء في الكونغرس، يمتدحون الأكراد في أحاديثهم بقولهم "رفقاء السلاح.... الأبطال الذين ضحوا بأرواح 11 ألف شخص منهم من أجلنا..... أصدقاؤنا الذين تعرضوا لمذابح الأتراك"، بالتالي لم يعد هناك أحد يتبنى وجهة النظر التي صدَّرها أردوغان للرأي العام الداخلي في تركيا..
ثالثًا: بدأ أردوغان يدفع، للمرة الثانية، ثمن سياسة الرهان الخاطئ في سوريا كذلك، بعد أن خسر رهانه في قضية القس أندرو برانسون من قبل. ومن ناحيتها، أعلنت الكنيسة الإنجيلية، التي تعد من أكبر الداعمين لترامب، وقوفها إلى جانب الأكراد صراحة. ومما لا شك فيه أن تطوراً كهذا سيحدث تأثيراً مخيفاً على ترامب كذلك، وربما يكون  وزير العدل قد تعمد فتح ملف "خلق بنك"، في هذه الفترة على وجه الخصوص، من أجل تهدئة موجات الاستياء ضد ترامب.
ويمكن تلخيص الصورة الراهنة  في أن الكونغرس الأميركي لم يعد يثق الآن بتركيا، وبالتالي فمن الوارد للغاية أن تتعرض، في أي وقت، لعقوبات اقتصادية أميركية، تتخطى فيتو ترامب نفسه، وقد تطال أردوغان نفسه، وحينها سيكون من الصعب على ترامب أن يعترض أو أن يوقف تنفيذ هذه العقوبات..
وفي رأيي، إن تركيا أصبحت الآن في وضع أشبه ما يكون بوضع صدام حسين عندما دخل إلى الأراضي الكويتية؛ لذا فمن المنتظر أن تزداد الأمور سوءاً بالنسبة لتركيا خلال الفترة المقبلة.
ومن ناحيتها، سوف تزيد الصور، التي تتداولها وسائل الإعلام للمدنيين في سوريا والرجال العزل والنساء، من عداء الرأي العام العالمي تجاه تركيا.
وأخيراً أدعو كل من ظنّ أن الأكراد فقدوا فرصة إقامة منطقة حكم ذاتي خاص بهم، إلى التفكير، مرة أخرى، فيما ستخسره تركيا خلال الفترة القادمة…

التعليقات
عدد التعليقات: 0
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
اسمك*
عنوان التعليق*
النص*
حديث الكرامة
فيديو جرائم حماس
كاريكاتير
فيديو الكرامة
استطلاع
بعد رفض المنحة القطرية من حماس هل الحرب أصبحت أقرب على غزة ؟
نعم
لا
انتهت فترة التصويت