أطفال غزة أطفالاً بلا طفولة
20/11/2019 [ 11:26 ]
الإضافة بتاريخ:
د.سارة الوحيدي
أطفال غزة أطفالاً بلا طفولة

أوضاع صعبة يعيشها قطاع غزة من حصار وحروب دمار وهجرة وتشريد واعتقالات وأزمات ومع تصاعد وتيرة العنف الإسرائيلي على قطاع غزة في السنوات الأخيرة، بات لا ينقضي يوما واحداً دون أن نسمع عن استشهاد أو استهداف وإصابة طفل، بات الأطفال هم بنك الأهداف العام والخاص في كل الحروب والمجازر الإسرائيلية البشعة على غزة.

أطفال غزة معاناة لا تنتهي بتوقف الصواريخ وصوت المدافع، ان أخطر أثار الحروب على الأطفال ليس ما يظهر منهم وقت الحرب بل ما يظهر لاحقاً في جيل كامل ممن نجوا من الحرب وقد حملوا معهم مشكلات نفسية لا حصر لها تتوقف خطورتها عند عدم قدرة الأهل على مساعدة الأطفال في تجاوز مشاهد الحرب المؤلمة. وإن لم يصابوا هؤلاء الأطفال بأي مكروه جسدي، تصيبهم التداعيات النفسية، وتؤثر عليهم وعلى مستقبلهم وحياتهم على المدى الطويل، أطفال غزة لم يشفوا من الاضطرابات النفسية التي تسببها لهم الصور المختزنة في أذهانهم، من حرب إلى أخرى صور الرعب والخراب والدمار والضحايا تترافق دائما، حروب أزمات حكمت على الأطفال بالانقطاع عن الدراسة، وخاصة بعد تعرض مدراسهم للقصف ووقوع الشهداء والجرحى بينهم في أكثر من مرة.

وإن الحروب تصنف في ظل الظروف الحالية أحد أهم أسباب مصادر الاضطرابات والضغوط النفسية بالنسبة للأطفال تصيبهم اضطرابات ما بعد الصدمة أو بما يسمى طبياً "اضطراب ما بعد الكرب

(Post Traumatic Stress Disorder” (PTSD" فأطفال غزة تعرضوا للصدمة بطريقة مباشرة وغير مباشرة ومن أعرضها: مشاعر وعلامات ارتباك، قلق وفزع، حزن، وعلامات ضغط عاطفي وسلوكي متنوع ومختلف، في حين تزداد هذه الأعراض وقد تتفاقم بعد مرور عدة أيام. وتتسبب في معاناة الأطفال من مشكلات عصبية ونفسية ممتدة مثل الحركات اللإرادية، قلة الشهية للطعام، الفوبيا المزمنة، أزمة الهوية الحادة، الاكتئاب الشديد، الابتعاد عن الناس "العزلة" الميل إلى التشاؤم واليأس، شعور الطفل بالتشرد والفقر تفوق قدرتهم على الاستيعاب وعدم القدرة على التعبير الجيد عن المشاعر والرغبات فتصبح مشاعر دفينة تظهر في مراحل متقدمة من أعمارهم في صور العصابية الانطواء التخلف الدراسي وميلهم إلى الجدال والعناد والتمرد والعنف والعدوان وفقدهم لروح التعاون والمشاركة. وغيرها من الأمراض النفسية، الآثار النفسية والجسدية من أكبر سلبيات الحروب، فالمتضررون من الحرب يحملون مشاعر الثأر لمن فقدوهم بالانتقام، وحالة من عدم الرغبة في العفو ونسيان ما جاءت به الحرب، مع البحث المتواصل عن العدالة والأمان والرحمة، وكفيلة بتشويه معنى العالم من حول الطفل، إضافة إلى افتقاد الطفل للشعور بالأمان، ذلك الشعور الذي يمثل حاجة أساسية لنمو الطفل نفسيا ومعرفيا ، فليس من المستغرب أن يظهر أطفال غزة المعرضون للحروب معدلًا أعلى من الاضطرابات العقلية.

نور وأشقائها ، ريم ، نريم سالم أطفال عائلة السواركة نور (تسعة سنوات) طفلة فلسطينية فقدت عائلتها في مجزرة دير البلح بقطاع غزة ، هي الأن في مستشفى الأقصى مع شقيقاتها، بدت عليها الصدمة وهي أمام الكاميرات ولم تستطع أن تنطق رغم إلحاح المراسلة بنطق بكلمات قليلة جدا "نحن لم نفعل شيئا" و"إنني أشعر باليتم"، وهي كلمات لخصت حالتها النفسية.

إن هذا الصراع الناتج عن الحروب قد يؤدي إلى الإضرار ببيئة الطفل ومن ثم الإضرار بقدرة الطفل على التعافي من حالة نفسية ومعنوية مؤلمة يترك أثار مدمرة على الأسر، متمثلة في فقدان أفرادها أو تعطل نمط حياة الأسرة. علاوة على ذلك، فقد يفقد الأطفال الدعم الأبوي، وقد تتغير أنماط الأبوة وتزيد تعبيرات الوالدين السلبية من مستويات الضيق عند الأطفال. أما الأمهات فقد تم الربط بين مستوى الاكتئاب لديهن ومستوى الاكتئاب لدى صغارهن.

فالزمن لا يشفي من الصدمات، لذلك يجب مساعدة الأطفال على التعبير عن معاناتهم ومواجهة الذكريات السيئة، كما ويحتاج  إلى ممارسة هواياته وألعابه ونشاطه لتحويل التوتر والقلق والخوف من مشاعر مرضية إلى سلوكيات منطوقة يمكن ضبطها والتحكم بها وذلك بتوفير الدعم والتوجيه اللازم لهم، وهذا الدعم يُفترض أن يتم من خلال الأشخاص المختصين لتقديم العلاج للأطفال بهدف متابعة حياتهم بشكل طبيعي، حيث إن التفريع النفسي بالرسم واللعب وتمثيل الأحداث المؤلمة وسائل مهمة لمساعدة الأطفال على الشفاء النفسي والبدء باسترجاع حياتهم الطبيعية.، الموت هو الحكاية الدائمة كل يوم، يجده الأطفال في البيوت والشوارع والمدارس والطرقات، وفي كل مكان، وتذهب محاولات الآباء والأمهات المرشدين الاخصائيين سدى في التخفيف من أثر هذا الواقع على الأطفال حتى أنهم أصبحوا أطفالاً بلا طفولة .

من السهل الحديث عن الآثار النفسية والاجتماعية والسلوكية التي تخلفها الحروب، فآثارها تطال الصغار والكبار على حدٍّ سواء، بل وتزيد معاناة على الأطفال، فالحرب قد تغير مجرى حياة الطفل للأبد سواء عايشوا الأحداث أو شاهدوها، لكن تجارب الآباء والأمهات مع هؤلاء الأطفال هي التحدي الذي يواجه كل أسرة، فربما يكون من السهل أن نقول للآباء والأمهات: لا تدعوا أطفالكم يرون مشاهد القتل والدمار في نشرات الأخبار، لكن ماذا نقول لمن يعيشون التجربة حية؟ ماذا تقول الأم لطفلها عندما يرتج بيتها من القصف، وينهار البيت المجاور ويموت زملاء وأصدقاء أطفالها الذين يسألون عنهم، هذا هو التحدي الذي يواجه كل أسرة، يبدو أن واقعنا أكثر تعقيدًا من كل نظريات التحليل والتنظير.

 

التعليقات
عدد التعليقات: 0
هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
اسمك*
عنوان التعليق*
النص*
حديث الكرامة
فيديو جرائم حماس
فيديو الكرامة
استطلاع
بعد رفض المنحة القطرية من حماس هل الحرب أصبحت أقرب على غزة ؟
نعم
لا
انتهت فترة التصويت